الشّعب الجزائري لن يغفر سقطة ماكرون ولو اعتذر …؟

عراق العروبة
مقالات وآراء
11 أكتوبر 2021
الشّعب الجزائري لن يغفر سقطة ماكرون ولو اعتذر …؟

الشّعب الجزائري لن يغفر سقطة ماكرون ولو اعتذر …؟

عراق العروبة

مصطفى قطبي

الشّعب الجزائري لن يغفر سقطة ماكرون ولو اعتذر …؟

غابت القامات الكبرى عن قصر الاليزيه في باريس منذ عقود، وخلت كرسي الرئاسة فيه من الرجال العظام الذين تمثلوا فكر الثورة الفرنسية ونهجها الذي قلب مفاهيم السياسة في أوروبا، وانطلق في فضاء الحرية والمدنية وحقوق الإنسان، في دولة انفصلت عن الدين وحررت العقل الفرنسي من قيوده، التي خنقت فيه الإبداع وعطلت طاقات الفكر والاختراع والبحث والارتقاء نحو الحداثة، منذ أن اختفت قامة الجنرال ديغول عن مسرح النهضة السياسية الفرنسية، وانزوى مع قبعته ونياشينه في حي باريسي قديم، منذ ذلك الوقت والفرنسيون يتعثرون تدريجياً في خياراتهم يميناً ويساراً. 

مناسبة هذه المقدمة، تصريح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، التي نقلتها صحيفة اللوموند حيال الجزائر، حيث زعم  ماكرون، أنّ الجزائر لم يكن لها تاريخ قبل الاستعمار الفرنسي، وليس لها أمة أو دولة، وبعقلية استعمارية رخيصة يريد أن يكتب تاريخ الجزائر بذاكرة مزورة… هذا التصريح الاستفزازي لاقى ردود فعل حادة ومباشرة من الجزائر، حيث استدعت الجزائر سفيرها من باريس و أغلقت أجواءها في وجه الطائرات الحربية الفرنسية العابرة إلى مالي، وتتواصل وتتصاعد الإجراءات التي لن تقف عند هذا الحد، كما لاقت سخطاً واستنكاراً واسعاً من أوساط فرنسية واسعة التي اعتبرتها مستغربة ولا تليق أن تصدر عن رئيس الجمهورية فضلاً عن تأزيمها العلاقات الفرنسية – الجزائرية التي هي مأزومة أصلاً.

والآن، نريد أن نرجع قليلا إلى الوراء، أي إلى ما قبل الاحتلال الفرنسي المشؤوم، لنرى ما إذا كانت المزاعم الماكرونية، التي تدعي انعدام وجود دولة جزائرية إبان الاحتلال، لها نصيب من الصحة؟ أم أن هذه المزاعم لا ظل لها من الحق والحقيقة، ولا سند لها من التاريخ الصادق، بل ما هي إلا مجرد أفك وبهتان، وتهافت من جانب ماكرون وأمثاله على الواقع التاريخي الجزائري. إن تشكيك ماكرون في تاريخ الجزائر، وقوله إن الجزائر لم تكن موجودة قبل الاستعمار الفرنسي، جريمة تاريخية لأنها تهدف إلى طمس معالم التاريخ الجزائري اللامع، وإنكاره لماضي الجزائر الدولي المزدهر.

و لإنعاش ذاكرة السيد ماكرون، نؤكد على الحقائق التاريخية التالية، فالجزائر قبل سنة 1830 كانت توفر لها جميع خصائص ومميزات الدولة الكاملة، في المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي، فالجزائر كانت قائمة الشخصية، مدعمة الكيان، ذات مكانة دولية مرموقة، ونستطيع القول بأن وجود الجزائر الدولي قد ظهر في هذا الكون، وامتد في أعماق التاريخ، منذ عديد من القرون، بل قبل أن تصبح فرنسا نفسها ذات كيان دولي بالمعنى الصحيح. فقد ظلت الجزائر فعلا تتمتع بسيادتها الوطنية، وكيانها الدولي، وتتوفر لديها جميع العناصر التي يقوم عليها بناء الدولة، شأنها في هذا شأن جميع الدول المعاصرة لها يومذاك. فمنذ العهد الروماني بأفريقيا نشأت دول جزائرية متعاقبة بزعامة رجال من العنصر البربري، وكانت تلك الدول تتعامل مع رومه ـ  على قدم المساواة ـ  في فترات تاريخية، ونشأت بعد الفتح العربي للشمال الإفريقي مجموعة من الدول التي كانت رغم إسلامها وعروبتها ـ واعتبارها جزءا من الدول الناشئة في المغرب العربي ـ كانت مطبوعة بالطابع الجزائري، وتمتاز بمميزات سياسية واجتماعية جزائرية خاصة بها، وبلغت بعضها مكانة مرموقة من العظمة والازدهار، كالدولة الرستمية وعاصمتها (تيهرت)، والدولة الحمادية التي كانت عاصمتها بجاية، والدولة الزيانية وعاصمتها تلمسان وغيرها…

أما في العهد التركي، فقد بدأت علاقة تركيا بالجزائر، في أواخر القرن الخامس عشر للميلاد، على أن مجيء هذا العهد قد أدخل على الجزائر تطورا سياسيا مغايرا نوعا ما، حيث أنه لم يعتبر عهدا استعماريا أو احتلال، كما يحلو للفرنسيين أن يصفوه، لما كان يربط بين الأمتين الجزائرية والتركية، من الروابط الدينية والمعنوية، ولم يقض دخول الأتراك إلى الجزائر على سيادتها واستقلالها، كما كان الشأن مع احتلال الفرنسيين، إذ لم يتعد النفوذ التركي مظهره الديني والمعنوي، حيث كانت تركيا العثمانية موئل الخلافة الإسلامية، ومع ذلك فقد تخلصت الجزائر من التبعية التركية بنحو مائتي سنة، قبل الاعتداء الفرنسي عليها، وأضحت سيادتها طليقة من كل قيد، نقية من كل شائبة تدخل خارجي، تدير شؤونها كما تملي عليها مصلحتها القومية. 

ولتأكيد ما نقول، نستدعي شهادة مؤرخ فرنسي، حيث يقول: (أثناء القرن السابع عشر تخلصت الجزائر من سلطة الباب العالي، ثم يتابع قائلا: كان للجزائر استقلالها الذاتي، ولم يكن يربطها بتركيا سوى صلة أدبية، هي الخلافة الإسلامية، وكانت أكثر حرية في تدبير شؤونها وتقرير مصيرها… ولم  يكن في الجزائر تفريق جنسي أو ميز عنصري بين العرب والأتراك، فكلاهما ينتسب إلى الدين الإسلامي، وهو عدو كل تفريق جنسي، ولذلك نرى الأتراك والجزائريين يقومون جميعا بالدفاع عن الجزائر، ويتعاونون على طرد الإسبان من بعض الشواطئ الجزائرية، ففي الحين الذي كان كل شيء يوهم باستيلاء إسبانيا على شمال أفريقيا، خاض المعركة ضدها الأتراك والجزائريون معاً، واستطاعوا أن يحرزوا على النصر). وهكذا نرى أن قوات الجزائر استطاعت أن تطرد إسبانيا من شواطئ الجزائر، وأن تكرهها على التراجع عن مشاريعها الاحتلالية، وليس من اليسير الهين أن تقوم الجزائر بمثل هذا العمل، وتظفر بمثل هذا النصر الباهر، على دولة قوية مثل إسبانيا يومئذ، لو لم تكن قد توفرت لها جميع إمكانيات الدولة وخصائصها ونظمها السياسية والعسكرية والبحرية، مما جعلها في طليعة الدول التي يخشى بأسها ويرغب في خطب ودها وصداقتها والتعامل معها.

أما على المستوى الدولي، فقد كان للجزائر علاقات سياسية ودبلوماسية خارجية، توضح الأهمية والمكانة الدولية التي كانت تحظى بها الجزائر. فمنذ منتصف القرن السادس الميلادي، أنشئت العلاقات الدبلوماسية، وعقدت المعاهدات بين الجزائر وفرنسا مما أدى بملكها (فرنسوا الأول) أن يستنجد بـ حليفته الجزائر في بعض الحروب التي خاضتها فرنسا ضد إسبانيا ودول أوروبية أخرى، وفي أواخر القرن الثامن عشر، عقدت الجزائر معاهدات مع كل من الولايات المتحدة، وإنجلترا، وهولندا، والدانمارك، ولم تكن الجزائر في علاقاتها الدولية أقل اعتباراً، أو أبخس وزنا من حيث القوة وكمال السيادة، وخصائص الدولة المستقلة عن أية دولة أخرى شرقية أو غربية. هذه هي الجزائر، الدولة التي عاشت حرة مستقلة عبر القرون والأجيال، ولكن ماكرون يتنكر ـ بوقاحة ـ للتاريخ الجزائري، ويطعن في وجود أمة جزائرية قبل دخول الاستعمار الفرنسي إلى البلاد عام 1830! فليس أكثر افتراء على التاريخ من هذا الزعم الماكروني الاستعماري المكشوف.

خلاصة الكلام: إن ماكرون، عندما هاجم “التاريخ الرسمي” الجزائري الذي بحسب قوله “أُعيدت كتابته بالكامل”، و”لا يقوم على الحقائق”… هذا التصريح يظهر بشكل جلي وجه فرنسا الاستعماري، ويقدم دليلاً آخر على قصور نظر السياسة الفرنسية ونقص في حكمة الرئيس ماكرون وقلة درايته إزاء التعاطي مع القضايا الدولية وانطلاقه من عقلية استعمارية بائدة، ما أدى إلى تراجع الدور الفرنسي وأفسح في المجال إلى تهميش فرنسا عالمياً وتطاول حلفائها عليها في حلف “ناتو” وقرصنة صفقاتها كما حصل في صفقة الغواصات وقبلها في صفقة كبيرة مع كندا.

الشّعب الجزائري لن يغفر سقطة ماكرون ولو اعتذر …؟

 من مقالات الكاتب - عراق العروبة

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.