ثوابتنا ومتغيراتنا 4

عراق العروبة
مقالات وآراء
12 أكتوبر 2021
 ثوابتنا ومتغيراتنا 4

 ثوابتنا ومتغيراتنا 4

عراق العروبة

صلاح المختار

 ثوابتنا ومتغيراتنا 4                                                                         

3-الاشتراكية: رغم ان الاشتراكية بأغلب مفاهيمها لها قاسم مشترك وهو ضمان الدولة للمتطلبات الاساسية للمواطن ابرزها العيش الكريم الذي يبعده عن شبح الحاجة وما ينتج عنها من مرض وخوف من المستقبل، وتنازلات قسرية عن حريته وهذا لن يتحقق الا بتوفير العمل والسكن والخدمات الاساسية كالصحة والتعليم ..الخ مجانا او بأسعار زهيدة، ماهي مميزات اشتراكية البعث؟ فيما يلي ملاحظات جوهرية :

1-القرن الحادي والعشرون اكد بصورة عملية السقوط النهائي للرأسمالية لانها اثبتت عبر مراحل حياتها انها وان اطلقت الطاقات الابداعية للانسان بفكرة المبادرة الحرة  الا انها قتلت هذه الروح لاحقا وحولت الانسان الى مجرد روبوت يستغل الى اقصى الدرجات، فهي  تبدو وحشا اسطوريا – وحشية الرأسمالية وصف امريكي لها- منفلت الوحشية وظلمه يكاد يقضي على اهم ما في البشر وهو انسانيتهم بتحويلهم الى روبوتات تخدم العمل! انظروا الى امريكا اكبر دولة رأسمالية واكثرها تقدما سترون العجب فيها فهي ورغم تقدمها الهائل والمثير للاعجاب الا انها تخلق في الانسان اعمق مشاعر القلق، فالامريكي وكما رأيناه في العراق وقبلها في فيتنام وغيرهما مخلوق لاصلة له باي مفهوم اخلاقي او بشري فهو يشعر بمتعة طاغية بقتل الاخرين كما لو انه يمارس العاب الكترونية فيضحك وهو يرى ضحاياه يتساقطون،ورؤسائهم لا يترددون في الاعتراف بانهم يجب عليهم اخذ ثروات الاخرين كما فعل ترامب مرارا عندما طالب بأخذ ثروات العراق والكويت، ويعتدون عشرات المرات على دول اخرى لكنهم عندما تدافع الدول الاخرى عن نفسها يقيمون الدنيا ولا يقعدوها ! 

ان الانسان عندما يتحول الى اداة انتاجية فقط يفقد تدريجيا انسانيته ويصبح وحشا كاسرا لا يهمه الا انانيته التي تحركه وتفصله قسرا عن بقية الناس وتجعل من المجتمع مجتمع انوات متنافرة كالقنافذ يجمعهم البرد فتقترب للحصول على الدفء لكنها ما ان تتعرض لاشواك بعضها حتى تعود للابتعاد، وهكذا هي اليوم المجتمعات المتقدمه في امريكا الشمالية اوروبا الغربية،فالانسانية فيها ضعيفة وما اضعفها هو الراسمالية ذاتها التي لم تكتفي بممارسة الوحشية التقليدية في الطبع البشري بل اضافت اليها ارقي انواع التكنولوجيا في ممارسه وحشية الانسان الغربي مستخدما ذكاء متطورا جدا ليس للحصول على الطعام بل لتكديس الثروات المنهوبة من الفقراء والاغنياء معا!بينما (متوحش) الماضي كان اخطر اسلحته الرمح وذكاء محدود وكان هدفه محدود جدا وهو الحصول على الطعام فقط،وهنا يكمن قتل ومقتل الراسمالية وكل  نظام يقوم على استغلال الانسان وليس انصافه بوضع موارد المجتمع لتوفير حياة حرة كريمة له.

ان اخطر سمات الرأسمالية انها نظام يحول الانسان الى نصف الة ويقدم له الطعام كي يعيش ليعمل وينتج السلع مثلما نزيت عجلات السيارة وماكنتها كي لاتتوقف، وما عدا ذلك فالانسان في الرأسمالية بلا قيمة  مهما بلغت مظاهر تزييته الخارجية، وفي نظام مثل هذا تزول الارادة الحقيقية للبشر وتسود ارادة من يملك المال فتحل الكوارث وابرزها اضافة لما تقدم النزوع للحروب في الخارج من اجل النهب والتسابق عليه.وفي الشهور الماضية ظهرت دعوات حتى بين اعضاء في الكونغرس الامريكي لتغيير النظام الرأسمالي والاعتراف بفشله ،فانتعشت ميول قريبة من اشتراكية اصلاحية ولو محدودة،وتلك من اهم دروس القرون الاخيرة.

2-مقابل ذلك اثبتت كل دروس القرنين الماضيين انه لا يوجد حل لمشاكل الجنس البشري المعقدة الا الاشتراكية والمقصود هو الاشتراكية القومية التي تبنى على خصوصية كل امة فهي اممية عندما يتعلق الامر بمبدأ العدالة الاجتماعية ولكنها قومية الحدود عندما يتعلق الامر بخصائصها النوعية وطرق تطبيقها والمفاهيم والقيم المرافقة لها،  ولهذا كانت التجربة الاشتراكية في الصين مثال للنجاح الفائق كما كانت تجربة كوبا مثال اخر للنجاح الساحق للاشتراكية وتفوقها المطلق و بلا منازع على كافة انواع الراسمالية، ومثلها كانت تجربة العراق اثناء حكم البعث .ومن حقائق التاريخ البارزة والتي نفتخر بها ان البعث كان منفردا في العالم بعقيدته القومية الاشتراكية اي بربطه بين الاشتراكية والقومية ورفضه الفصل بينهما، فلئن كانت القومية، مجسدة في اهم اهدافها وهو الوحدة العربية، فان الاشتراكية هي النظام الذي يضمن العدالة الاجتماعية في ذلك الاطار القومي والتي وبدون ضمان حياة حرة كريمة للانسان لا توجد، والانسان الحر المتمسك بوطنه اكثر من غيره هو الانسان الاشتراكي في المقام الاول لانه تحرر من العوز والحاجة المادية وازدهر ثقافيا وضمن صحته وعلاجه وقبل كل ذلك توفرت له قواعد قانونية تحترمه . ولذلك فالاشتراكية القومية للبعث كانت في حالة  اختلاف مع المفهوم السوفيتي لها السائد وقتها.

3-ما هي اهم الفروق بين اشتراكية البعث والاشتراكية السوفيتية؟ منذ بدايته اكد البعث على ان اشتراكيته قومية الحدود فهي تكيّف تطبيق الاشتراكية كي تتناسب مع البيئة العربية قيميا وتقاليديا ومواردا، فلكل امة خصائص مميزة ومن غير الحكمة تجاهلها ولابد من التعامل معها بنظرة نقدية ولكنها ليست عدائية مادامت الاشتراكية تفرض صلة طيبة بالجماهير ،وعلى سبيل المثال فان اشتراكية البعث رفضت التورط في موقف يتجاوز الحدود الاجتماعية للاشتراكية وهي حاجات الانسان المادية والروحية مثل زج فلسفة الكون والطبيعة في صلب الاشتراكية وهو ما فعلته المادية الجدلية الماركسية عندما ربطت بين الاشتراكية والالحاد وانكرت وجود الله، لكن اشتراكية البعث تجنبت هذا الطريق الخاطئ واختارت طريق حصر الاشتراكية في اطار مجتمع يحتاج للعدالة الاقتصادية والقانونية والاخلاقية وليس لفلسفة الكون.

 مثلما اكد البعث على ان الحافز الفردي المتمثل في الملكية الخاصة واطارها الاوسع القطاع الخاص من بين اهم خصائص الاشتراكية القومية، وذلك مختلف عن الاشتراكية السوفيتية التي الغت الملكية الفردية فأغلقت باب الابداع الحر التلقائي وحصلت فقط على الابداع الجبري للناس او الابداع الحر في ادنى درجاته قوة وكان ذلك احد اسباب فشلها وانهيار الاتحاد السوفيتي. ان المبادرة الحرة كانت من اهم اسباب ازدهار الرأسمالية في بدايتها وهو الدرس المستخلص من تجربتها ومن التجربة السوفيتية معا، فحيثما اطلقت المبادرة الفردية يزدهر النظام والدولة والمجتمع وبالعكس فحينما تغيّب المبادرة الفردية فان التقدم  يتقلص ويحرم المجتمع من اهم محركات الانسان قاطبة.فالبعث اقر ان اشتراكيته تحترم القطاع الخاص ضمن نظام اشتراكي مسيطر من اجل توفير الحافز الفردي الذي يطلق المبادرات الفردية الابداعية وبنفس الوقت تكون تلك المبادرات محكومة بحدود قواعد العمل الاشتراكي العامة.

4-والان نرى الصين تنهض بقوه هائلة غير مسبوقة في التاريخ بفضل المزج بين مبدأ ملكية وسائل الانتاج للدولة وبين احترام الحوافز الفردية فادخلت مفهوم (اقتصاد السوق الاشتراكي) وهو مفهوم مشتق من المفهوم الرأسمالي (اقتصاد السوق) لكنه ربط بالاشتراكية وكجزء منها،وكان ذلك التمسك هو السبب الحاسم الذي منح الاشتراكية الصينية الحيوية والابداع من منطلق ان الانسان تحركه دوافع فردية بالاساس هي مصلحته فصارت الاشتراكية الصينية الهوية السبب الرئيس لتفوقها المطلق والحاسم على امريكا. وهكذا اثبت الصين بان عقيدة البعث الاشتراكية هي الاصلح للبشرية لانها تتجنب الاممية وتطلق الخصائص القومية لتطغى في التطبيق.اضافة لوصول الصين لنفس قناعات البعث حول طبيعة الاشتراكية فان ما سمي بالشيوعية الاوروبيه، التي ظهرت في الثمانينات من القرن الماضي خصوصا في فرنسا وايطاليا اخذت بمبدأين من اهم مبادئ اشتراكية البعث وهما اقرار الملكية الخاصة ورفض الالحاد او على الاقل اعتبار الايمان او الالحاد مسالة خاصة، وهي حالة اقتراب من فكر البعث. 

5-ولذلك يمكن الجزم وبعد كل التجارب البشرية المريرة مع الراسمالية والاشتراكيات المختلفة بان عقيدة البعث الاشتراكية هي الان واكثر مما مضى الاصلح لكافه الامم وليس للعرب فقط لانها تكيّف طرق تطبيق الاشتراكية مراعاة للخصائص القومية لكل شعب ،وهي لذلك مقبولة الان وفي المستقبل في كل بلد يبحث عن العدالة الحقيقية، وتلك حقيقة تضيف عظمة اخرى لعقيدة البعث وتؤكد صوابها التام.

6-واخر الادلة على صواب الاشتراكية المكيفة قوميا وفشل الراسمالية بكافة اشكالها بصورة فضائحية هو كوفيد 19 التي اكملت كشف وحشية الراسمالية وتناقضها مع مصالح الانسان حيث ظهر جشع الشركات الكبرى خصوصا الدوائية في اعلى مراتبه وضوحا وطغى بصورة خطيرة على مصالح البشر، وجشع تلك الشركات هو مثال للجشع العام للرأسمالية وتركز هدفها الاعلى على الحصول على الربح حتى لو مات ملايين الناس،وعلى العكس ذلك فان الاشتراكية في الصين وفي كوبا  وبقايا تاثيراتها في روسيا مثل الدولة القوية قدمت صورة ناجحة لخدمة الانسان اولا وليس المصالح التجارية، فراينا ان معالجة هذه الجائحة كانت انجح بمراحل مما كانت عليه حال الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد الاوروبي، وتجلى ذلك في تقديم روسيا والصين المساعدات للدول الاخرى بما في ذلك لدول رأسمالية متطورة كايطاليا وفرنسا،اضافة لسيطرتهما مع كوبا على المرض بصورة جيدة،وذلك يعود لعدة اسباب كلها تتعلق بالنظام الاشتراكي وبالدولة المركزية حيث تحشد الطاقات البشرية لخدمة الانسان والمجتمع لاجل توفير قوة فعالة تستطيع معالجة الكوارث،وهذا يمكن تحقيقه بسرعة في مجتمعات سادت فيها الثقافة الاشتراكية او ثقافة التضامن الاجتماعي وهو ما رايناه في الفشل الاوروبي والامريكي وفي النجاح الروسي الصيني الكوبي بمواجهه لائحه كوفيد-19.

7-في ضوء هذه التجارب الاشتراكية القومية الناجحة فاننا يجب ان نتمسك بها بصفتها الحل الوحيد لمشاكل الانسان الاساسية في العيش وتنظيمه وتوفير افضل البيئات له فيزدهر المجتمع وتتفتح طاقات الانسان الابداعية ويقدم للانسان افضل ما لديه.وردا على نظرية تقول بان التقدم التكنولوجي يوفر حل مشاكل الفقر نؤكد بانه حل وهمي لان غياب العدالة الاجتماعية،حتى وان توفرت العدالة القانونية كما في امريكا،لا يعوض عنه التقدم التكنولوجي فامريكا اكثر بلدان العالم تقدما ولكنها تعاني من فجوات خطيرة اخذت الان تظهر واضحه بعد  قرنين تقريبا من تأسيسها مثل وجود حوالي 40 مليون امريكي يعيشون تحت خط الفقر فيها ناهيك عن تصاعد التمييز العنصري في هذه المرحلة ! لذلك اخذت تنهزم امام تقدم الصين لان الثانية اعتمدت نظام عدالة اجتماعية يقوم على سد الحاجات الاساسيه للانسان والمثال الامريكي اضافة لامثلة اخرى يؤكد بصورة حاسمة بان عيوب النظام الاجتماعي لاتعالج الا في  نظام اشتراكي.

ان الدرس الاعظم هو انه اذا كان التطوير الفكري يعني التمسك بالاشتراكيه كخيار اجتماعي مع تعدد الطرق للوصول اليها فهو مطلوب،اما اذا كان التخلى عن الاشتراكيه فانه ليس تطويرا بل هو تبن لرأسمالية مموهة، والرأسمالية اخطر منتج للصراعات وهي تهدم تقدمها وتعيد الاوضاع الى نقطة البداية ولكنها نقطة بداية  غارقة في الخراب والعقد والازمات وهذا ما نعاني منه في الوطن العربي الان.

يتبع.

 ثوابتنا ومتغيراتنا 4

 من مقالات الكاتب - عراق العروبة

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.