خلفيات وأهداف الذي يجري في السودان 3
خلفيات وأهداف الذي يجري في السودان 3
في حياة الشعوب التي تتعرض للكوارث والظلم محطات اساسية نشأت فيها مفاهيم وقواعد أمنت للبشرية الحقوق والعدالة والتقدم وبدونها ما كان ممكنا للانسان الحالي الا ان يبقى متخلفا! فالماء لايبقى نقيا الا بحركته والا سيتعفن وحركة الماء تحتاج لقوة دافعة، وتقدم الانسان وتحرره وضمانه للعدالة الفردية والاجتماعية،لايمكن تحقيقهما الا بالتضحية والنضال وليس بفكرة (انني يجب ان اعيش حتى لو قبلت بالظلم)، فهذا المنطق هو الذي يبقي الانسان في مكانه وهو غير مناسب لحقوقه الانسانية .وهنا نرى انفسنا نتعامل مع نوعين من القوة الدافعة النوع الاول العمل العفوي الضعيف التخطيط وهو عمل لاعقلاني ،والعمل المنظم المبني على تحسب شامل لكل خطوة وهو العمل العقلاني، فما الفرق بينهما ؟
نحن بأزاء نوعين من طرق النضال احدهما هو العفوية الثورية والثاني هو العقلانية الثورية والفرق بينهما هو ان العفوية الثورية تقوم على انك ترى حالة مرفوضة فتبادر فورا لرفضها وترفع صوتك داعيا الاخرين للمشاركة في رفضها دون ان تدرس بعمق وتأن الاثار والنتائج المترتبة على خطواتك ولاتحدد ضمانات قدرتك على قطف الثمرات، وهو الهدف النهائي ،نعم ستحقق نتائج سريعة تبدو صحيحة لكنك تكتشف انك تورطت فيما لم تحسبه، فرغم ان التجربة منجم للدروس الثمينة الا ان انك لم تفكر في كيفية الوصول للنتيجة المطلوبة بتحديد مسبق لمسار الاحداث فقد كانت تلك مهام اجلتها نتيجة التسرع او اعتبارها ثانوية! فتجد غيرك قفز الى القمة وسيطر على المسار وقطف هو الثمار وليس انت لانه خطط مسبقا ودرب واعد حتى التفاصيل لما سيقع، فتفقد المعركة وتصبح امام خيارين احلاهما مر: فأما ان تناضل ضد الوضع الجديد رغم انه سيعرضك لفقدان اكثر من يؤيدك بسبب نشوة النصر التي تجعل الاغلبية مع الموجة العاطفية،او تتحول الى ذيل للاخر تتبعه في مساراته القاتلة لوطنيتك وابرز مثال هو ما سمي خطأ بالربيع العربي.
العقل والتجربة يؤكدان انه كان عليك اولا ضمان سيطرتك على حركة الماء وقدرتك على تصريفها في سواق تصل للزرع وللضرع ولا تترك الامر للصدف التي ترجح كفة غيرك،وهنا نرى الطريقة الاخرى وهي الثورية العقلانية فهي التي تبدأ بالتفكير العميق بالمشكلة فتحدد ادوات العمل وطريقة خوض المعركة لتحقيق الاهداف المطلوبة وتوقع المفاجأت وكيفية التغلب عليها، والاهم تحديد اسلوب التعامل مع قوى اخرى تشارك في المعركة وتحدد دور الجماهير وحدوده ،فالجماهير وكما اثبتت كافة التحركات الثورية عبر التاريخ البشري تنتفض بقوة وتقدم التضحيات الغالية لكنها تبقى عاجرة عن قيادة نفسها نحو تحقيق الاهداف المطلوبة ولهذا فان تاريخ البشرية يؤكد بالادلة ان ما يميز الانتفاضات الناجحة عن الاخرى الفاشلة هو بروز طليعة شعبية من بين الجماهير تملك وعيا عميقا وشاملا وتجارب طويلة تجعلها قادرة على استباق الاحداث ووضع الحلول لكل مفاجئة، والعقلانية الثورية تظهر هنا وهي التي مكنت عبر تاريح الانسان من فوز ليس الاقوى بل الاكثر قدرة على التخطيط الشامل لمسار الحدث.
ماذ رأينا في الربيع الصهيوني-الامريكي ثم الفارسي، وهي التسمية المنسجمة مع نتائجه الميدانية وليس العواطف، وهي عكس التسمية المضللة له وهي (الربيع العربي) والتي اطلقتها وزيرة الخارجية الامريكية هيلاري كلنتون؟ رأينا جماهير تخرج بالملايين في تونس اولا في نهاية عام 2010 ثم في مصر واليمن مطالبة بالحرية والعيش الكريم وانهاء الفساد،كانت الجماهير برميل بارود تفجر وتناثرت اجزاءه وتهدمت ضفاف نهر الانتفاضة الجماهيرية وصارت سائبة مما جعل بامكان من يملك القوة العسكرية ان يضعها في المسار الذي حدده هو وليس الجماهير الثائرة،اما النخب التي تصدت لقيادة الانتفاضات في تونس ومصر واليمن فهي نخب قاصرة الوعي لانها لاتملك الخبرات وبعضها اعد مسبقا في معاهد امريكية مثلا في مصر (حركة شباب 6 أبريل) و(حركة كفاية) وكذلك مجموعات الشباب عبر فيس بوك وتويتر والتي من أشهرها مجموعة (كلنا خالد سعيد) و(شبكة رصد) و(شبابُ الإخوان المسلمين) …الخ.وكان قسم كبير من هؤلاء اعدوا في معاهد امريكية في صربيا او غيرها وثقفوا بأفكار ضابط المخابرات الامريكية جين شارب عن حركات (اللاعنف)، في كتابه (دليل الثورات) وهو يركز على تعليم كيفية اسقاط النظم دون عنف وكان شعارها (قبضة يد مضمومة) الذي تم اعتماده من قبل الحركات السلمية في العالم ومن بينها هتاف :(سلمية…سلمية …سلمية) الذي رفعته المعارضة في مصر ولبنان والمالديف واليمن والسودان واستعيرت احيانا دون فهم لمضمونها واهدافها الحقيقية.
هذه النخب الشبابية والتي تم تجنيدها عبر الفيس بوك قادت الانتفاضة بعفوية متعمدة من قبل من خطط لتفجير الغضب الجماهيري بعد قمع عقود وحدد له مساراته وهدفه النهائي وكان ليس اقامة العدالة بل تغيير وجوه الحكام وتنصيب اخرين بعد ان استهلك من مضت على تنصيبهم عقود من الفساد والقهر والتبعية، فكان لابد من التغيير، وليس افضل لتعطيل الوعي الشعبي من انتفاضة تتحدى الحكام وتسقطهم ، وهي عملية تنفّس غضبهم وتعيدهم الى نوع مخادع من التوزان النفسي الذي يجعل كتل جماهيرية تقبل ب(الحل الوسط)، وهو ترك عسكر النظام نفسه يختارون القيادة الجديدة من رحم النظام القديم رغم انهم كانوا حماة النظام في فسادة وتبعيته واستبداده ،والسودان اخر مثال.
وبما ان القوى المجربة والواعية وذات التنظيمات الجماهيرية كانت محيّدة اصلا بقوة القمع والارهاب الحكومي الذي اضعفها او انها التحقت متأخرة بالانتفاضات في مصر وغيرها بعد ان سيطرت على قيادتها رموز اعدتها المخابرات الامريكية فان الانتفاضة وصلت الى طريق مسدود ولم يبق للجماهير الا ن تقبل بفكرة انها ليس لديها من خيار سوى انتظار معجزة لتحقيق ما تريده في بيئة ليس فيها الا معطيات نتائج فاسدة!.
ولكي يتوضح الفرق بين الثورية العقلانية والثورية العفوية لنأخذ امثلة عن العقلانية الثورية من العراق ومن تجارب حزب البعث العربي الاشتراكي.فعندما انفرد عبدالكريم قاسم بالحكم ومارس ديكتاتورية شعوبية قرر الحزب اسقاطه في بيئة صراعات معقدة شاركت فيها قوى عديدة ذات تنظميات جماهيرية ضخمة وبعضها اقدم من البعث مثل الحزب الشيوعي وحزب الاستقلال والحزب الوطني الديمقراطي …الخ ، ولكن ما ميز البعث عن كل هذه القوى هو انه كان يملك الحيوية الشبابية المنتفضة والطامحة للتغيير باسرع وقت ممكن فكان على قيادة الحزب ان تدرس كيفية اسقاطه وبقيت حوالي ثلاثة اعوام تدرس خيارا وتتركه وتتناول خيارا اخرا بكل مكوناته من طرق التنفيذ الى كيفية ضمان النتائج النهائية الى القدرات البشرية والتسلح الخ. وبعد تجربة محاولة اغتيال قاسم في عام 1959 وظهور اعتراضات من القيادة القومية اتجهت القيادة القطرية لخطة اسقاط النظام بعمل مشترك عسكري وجماهيري،فالجماهير التي اخذت تدرك ان قاسم قد ورطها في ازمات خطيرة اخذت تتطلع لاسقاطه، والعمل التعبوي الجماهيري كان في افضل اشكاله ودراسة القدرات البشرية خصوصا العسكرية منها كانت محور البحث في اجتماعات القيادة ، فوضعت خطة الجمع بين تحريك الجماهير وتأطيرها تدريجيا تحت قيادة الحزب وعدم تركها فريسة للثورية العفوية وكان الخيار الذي تبناه الحزب هو تفجير انتفاضات شعبية متتالية متحكم بها من قبله لايصال النظام الى العزل تمهيدا لاسقاطه، وكان اضراب البانزين في عام 1961 حيث زادت اسعاره فظهر تململ في اوساط سواق السيارات فالتقط الحزب اللحظة الثورية المناسبة، والتقاط تلك اللحظة من اهم مميزات القيادة الناجحة، ففعّل اضراب السواق ووسعه فتعطلت حركة السير وانتبهت الجماهير الى وجود قيادة بارعة وذكية فانخرطت في صفوف الانتفاضة، ونجح الاضراب بصورة ممتازة وبفضله كسب الحزب الاف الناس الذين التحقوا به مثلما عزل النظام اكثر وزج الجهاز الحزبي في تمرين ميداني ناجح عزز ثقة البعثيين بانهم الاقدر على احداث التغيير وكل ذلك تم والقوى السياسية الاخرى تقف اما موقفا عدائيا لخطوات البعث او تنظر اليه بنوع من الترقب! لقد حيدّت القوى الاخرى بسبب اضطراب رؤيتها وغلبت العقلانية الثورية المتبصرة وبها انتصر البعث.
وهكذا بتوفر القدرة على التقاط اللحظة الثورية المناسبة للتحرك وبنجاح الحزب في كسب الاف الناس تعززت ثقة البعثي بنفسة وبقيادته القطرية وقررالحزب بهذه القوة المتراكمة والاضافية ان يمضي الى امام في تنفيذ خططه فاستغل حادثة اعتداء على طلاب من قبل ابناء بعض المسؤولين واختار مرة ثانية اللحظة الثورية المناسبة ففجر الاضراب الطلابي الشهر في عام 1962 وقاده بمفرده وسط معارضة الحزب الشيوعي الحادة ولجأ قاسم لاستخدام كافة وسائل القمع لكن الحزب واصل الاضراب وادامه شهورا انتهت بتأمين المناخ المناسب لتحرك عسكري مدني مشترك ومخطط يوم 8 شباط عام 1963 وتوج قدراته العقلانية باختيار توقيت غير تقليدي في التغييرات العسكرية حيث يذاع البيان الاول فجرا لكن الحزب اختار الساعة التاسعة صباحا لاطلاق الثورة الشعبية والعسكرية لتحقيق صدمة المفاجئة ، مثلما كان التحسب في اعلى اشكاله حاضرا بقيام الحزب بأنزال قوات مدنية مسلحة الى شوارع بغداد وهي الحرس القومي الذي تشكل قبل شهور ونفذ الحرس القومي عملية بالغة الاهمية في نجاح الانتفاضة وهي تحييد اركان النظام العسكريين فجرا بالاعتقال وقتل من يقاوم منهم، وكانت تلك من اهم ضمانات نجاح الثورة حيث شل الحزب قادة النظام العسكريين بغالبيتهم، وعندما بدأ القصف الجوي لمقر الديكتاتور ونزلت الدبابات بقيادة ضباط بعثيين واخرين التحقوا بهم كانت مراكز الشرطة محتلة من قبل الحرس القومي والشوارع مؤمنة له بعد ان حيّدت قوات الحرس القومي ما ظهر من مقاومة شرسة من الحزب الشيوعي الذي رفع السلاح دفاعا عن قاسم واغتال كواكب من رفاقنا وفي مقدمتهم الشهيد خالد ناصر اول من كسبني للحزب، فلم يبق الا محاصرة الديكتاتور في وزارة الدفاع ثم القضاء عليه في اليوم الثاني بعد قتال عنيف كنا في قلبه، فانتصر الشعب ليس بفضل انتفاضاته المتعددة فقط بل اساسا بقوة وتأثير الثورية العقلانية التي منعت الاخرين من السطو على الانتفاضة وحصرتها بقوة مركزية خططت حتى التفاصيل. ويشرفني انني شاركت في اضراب البانزين مثلما شاركت باضراب الطلبة وشاركت في قوة الحرس القومي ونفذت دوري في الانتفاضة المسلحة. ثم تكرر ذلك مرة ثالثه في ثورة 17 تموز عام 1968حيث تضافرت جهود العسكر بقيادة المدنيين واسقطت الحكم ودشنت مرحلة فريدة وهي سيطرة المدنيين على العسكر بفضل قوة القيادة القطرية .
ما هي دروس تلك الاحداث التاريخية الفريدة ؟ الحكمة هي ان الانتفاضة او الثورة ليست مجرد رغية عارمة عفوية بل هي في المقام الاول تخطيط مسبق ودقيق ويعاد النظر فيه كل فترة لضمان النتائح فما قيمة ان تصطاد فريستك ويأتي مخلوق اخر ويسرقها منك فتقعد نادما؟ الانتفاضات العربية في عام 2011 وما بعده خلت من العقلانية الثورية واعتمدت على العفوية الثورية فسلمت القيادة لنخب لاتمثل طموحات الجماهير ولا تملك القدرة على السيطرة على المسار فصارت مجرد تغيير لوجوه النظام والذي بقي قائما .
من يريد ان يفهم ما يجرى في السودان وتعقيداته عليه ان يدرس تجربة العراق كي نتعلم الدروس ونستوعبها، ومن بين اهم الاسئلة الواجبة الطرح الان هي : هل التماهي في السودان من قبل قوى وطنية مع الموقف الامريكي هو نتيجة العفوية الثورية ومقاتلها ؟ وهل كان شعار سلمية المقترن بالرفض التام للعنف الثوري بما في ذلك رفض استخدام الاحتياطي العسكري في الحسم خطأ ام خطيئة؟ ولم رفض الحزب الشيوعي السوداني المشاركة في الحكومة مع العسكر رغم انه من بين اهم المنتفضين الاحرار وهو ما زاد حصانته ضد التأثيرات والخدع الامريكية؟ لعل ما يثير قلقنا هو ان رفاقنا السودانيين اطلعوا اثناء اقامتهم في العراق على دورس الحزب في العراق خصوصا مفهومه للانتفاضة وطرق تنفيذها وشروط نجاحها، لكن بعضهم كما يبدو نساها او تناساها فكانت النتيجة هي ان المبادرة صارت بيد العسكر رغم ان الملايين وقفت مع المدنيين والذين ثبت انهم يفتقرون للتجارب الميدانية رغم ثراء النضال السوداني بها ! يتبع.
خلفيات وأهداف الذي يجري في السودان 3
31-10-2021
المصدر : https://iraqaloroba.com/?p=11454