أردوغان يتاجر بالقضية الفلسطينية ويتعاون مع إسرائيل

عراق العروبة
2020-12-22T12:56:34+03:00
مقالات وآراء
13 سبتمبر 2020
أردوغان يتاجر بالقضية الفلسطينية ويتعاون مع إسرائيل
*مصطفى قطبي

أردوغان يتاجر بالقضية الفلسطينية ويتعاون مع إسرائيل

عراق العروبة

*مصطفى قطبي

أردوغان يتاجر بالقضية الفلسطينية ويتعاون مع إسرائيل

يظهر رئيس النظام التركي رجب أردوغان كل يوم حجم نفاقه ومتاجرته بالقضية الفلسطينية، فبعد ساعات من الإعلان عن الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي، سارع الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إلى شن هجوم يستهدف الاتفاق، مهددا في الوقت ذاته بتجميد علاقات بلاده الدبلوماسية مع أبوظبي، من دون الإشارة إلى علاقات أنقرة مع إسرائيل.

وتصريحات العثماني أردوغان الجديدة بقطع علاقاته مع الإمارات بسبب الاتفاق، هي غاية في النفاق والفجور وهو الذي يتمتع بأقوى العلاقات مع الكيان الغاصب ويعمل بالتوازي معه على تفتيت هذه الأمة وتحويلها إلى “كانتونات إخونجية” متصهينة تخدم الأقطاب الجديدة في المنطقة وتدفن الهوية العربية تحت براثن الاحتلال التركي والصهيوني والأميركي والاستعمار والاستيطان والخيانة.

لقد شدّد الرئيس التركي على أن تركيا تقف إلى جانب الشعب الفلسطيني، مضيفا “لم ولن نترك فلسطين لقمة سائغة لأحد أبدا”.

هذا الكلام الناري ليس جديداً، ففي أعقاب صدور قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والاعتراف بأنها عاصمة لـ إسرائيل، كان الرئيس التركي أردوغان من أوائل الرؤساء الذين هاجموا قرار الرئيس الأمريكي، حيث مارس هوايته المفضّلة في المراوغة بالخطب النارية والعبارات الرنانة، وفي الوقت نفسه رفض أن ينضمّ للدعوة التي قدّمتها كل من السويد ومصر وفرنسا وبوليفيا وإيطاليا والسنغال وبريطانيا والأوروغواي إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لعقد جلسة طارئة لبحث تداعيات قرار الرئيس الأمريكي.

أيضاً فقد صرح أردوغان: “إسرائيل دولة إرهابية، وليس لديها أي اعتبار لدينا”. جملة قالها أردوغان، وهو يعلن رفضه صفقة القرن، ويعد بالاستمرار في الدفاع عن قضية فلسطين. هذا الصراخ الأردوغاني الذي لم يزعج أمريكا وإسرائيل، ألا يدل ذلك على أن الأخيرتين تعلمان علم اليقين أن ما يقوله العثماني الجديد ليس أكثر من جعجعة بلا طحين، وأنه خطاب مصنوع خصيصاً للاستهلاك المحلي والخارجي العربي والإسلامي لا أكثر…

والمؤكد وهو عمق العلاقات التركية ـ الإسرائيلية، وبالتالي لم تكن القضية الفلسطينية بالنسبة لأردوغان يوماً إلا مجرد ورقة للاستثمار السياسي يلجأ إليها حسب الظروف والمستجدات الدولية، ولطالما استغل رأس النظام التركي رجب أردوغان القضية الفلسطينية واستثمر فيها من أجل كسب شعبية داخلية وخارجية وتحقيق نفوذ و”زعامة” محلية وإقليمية، مستفيداً من التيارات الإسلاموية التي ترفع لواء هذه القضية وتطالب “بتحرير فلسطين شعاراتياً”، مع أن هذه التيارات أساءت كثيراً للقضية الفلسطينية وساهمت بتهميشها بسبب سلوكياتها المسيئة للإسلام من جهة، ومعاركها المجانية مع تيارات أخرى تدعم هذه القضية، بالإضافة إلى عمالة قيادات ومتزعمي هذه التيارات للنظام الأميركي وعلاقاتها الخفية مع الكيان الصهيوني والغرب الداعم لهذا الكيان، حيث يتصدر “الأخوان المسلمون” قائمة التيارات المشبوهة في تعاطيها مع الغرب وهي منتج بريطاني.

مسرحية رئيس النظام التركي رجب طيب أردوغان المتجددة عن حالة العداء مع كيان الاحتلال الإسرائيلي وادعائه الدفاع عن مصالح الشعب الفلسطيني باتت أمرا مفضوحا أمام الرأي العام تعريه مسألة تزايد التجارة البينية والعلاقات الاستراتيجية التي وصفها مؤخرا رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بالمتجذرة رغم فقاعة العداء الإعلامية.

علاقات تركيا مع كيان الاحتلال التي بدأت عام 1949 تضاعفت عشرات المرات مع تولي حكومة حزب العدالة والتنمية بزعامة أردوغان مقاليد الحكم في تركيا عام 2002 ليعمل الحزب على تعزيز الاتفاقات السابقة مع كيان الاحتلال غير آبه بتناقض خطابه الذي يظهر حماسه للقضية الفلسطينية ويبطن تعزيزا للتجارة والعلاقات العسكرية مع الكيان الصهيوني.

ورغم كل الأموال التي ينفقها النظام التركي على الترويج الإعلامي لخلق فكرة وهمية أنه يدعم القضية الفلسطينية والفلسطينيين أكثر من غيره إلا أن التقارير الصادرة عن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” التابعة لمنظمة الأمم المتحدة تسقط كل الأقنعة وتفضح المتاجرين بالفلسطينيين وقضيتهم إذ لا يظهر اسم تركيا بين الدول المانحة للفلسطينيين.

إنّ ادعاءات أردوغان بأنه يؤيد قضية فلسطين ليس سوى نفاقٍ وهو يشارك إسرائيل نياتها وأطماعها العدوانية التوسعية ضد العالم العربي. الواقع أن أردوغان يلعب على الحبال الإسرائيلية والفلسطينية. السجال والملاسنة اللذان يطلقهما من حين لآخر، لا يمكن تفسيرهما بمعزل عن الشأن الداخلي التركي وتحالفات أردوغان مع تيار “الإخوان” وعلاقته الوطيدة بإسرائيل.

أردوغان المتعاون مع إسرائيل عسكرياً واقتصادياً، و”المتضامن والمدافع” عن الفلسطينيين إعلامياً، هو ثنائية فصامية، فهو في علاقته الكاذبة مع الفلسطينيين كمن “يقتل شخصاً ويمشي بجنازته”.

أردوغان الذي تعده جماعة “الإخوان” خليفة للمسلمين، وهو صاحب العلاقة المثيرة مع إسرائيل، وهو “الصديق العدو” كما وصفه الوزير الإسرائيلي يسرائيل كاتس، لصحيفة “معاريف”، مُقتنع بتاريخ طويل من العلاقات التركية الإسرائيلية.

تركيا أول دولة إسلامية تعترف بإسرائيل وطناً قومياً لليهود، تركيا التي تحتضن اليوم أكبر مصانع أسلحة للجيش الإسرائيلي، بينما المبادلات التجارية بين البلدين مزدهرة، في ظل اتفاقية التجارة الحرة الإسرائيلية التركية السارية المفعول منذ عام 2000.

والتعاون التركي الإسرائيلي لم يقف عند التجارة والسوق الحرة، بل وصل إلى التعاون العسكري والسماح للطيران العسكري الإسرائيلي بالتحليق في الأجواء التركية، ويسمح للطيارين الإسرائيليين بالتحليق فوق الأراضي التركية.


وحتى لا ننسى، فأردوغان صافح رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي السابق الإرهابي آرييل شارون في القدس عام 2005، على حين الأخير رحب به بالقول: “مرحباً بأردوغان في عاصمة إسرائيل الأبدية”، من دون أن نسمع أي اعتراض من أردوغان، الذي ملأ أجهزة الإعلام بعنتريات لفظية مخادعة “دفاعاً” عن الحقوق الفلسطينية، أردوغان الذي قبل بالقدس “عاصمة أبدية” من لسان شارون، هو صاحب علاقات مع إسرائيل، رغم مهرجان الشتائم، فهو القائل: “إسرائيل بحاجة إلى بلد مثل تركيا في المنطقة، وعلينا أيضاً القبول بحقيقة أننا نحن أيضاً بحاجة لإسرائيل” والواقع يؤكد أن إسرائيل الحليف الحميم لأردوغان.


وبالعودة إلى الخلف قليلاً نستنتج أن كل ما حصل ويحصل يأتي في سياق واحد، حيث سبق أن أقدم أردوغان على الكثير من المواقف التي تظهر مدى التطبيع التركي- الإسرائيلي، فخلال زيارته إلى نيويورك في آذار 2019، للمشاركة بأعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، حرص على عقد اجتماع مع ممثلي المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة، واليهود القاطنين أيضاً في المدينة، لتوطيد العلاقات مع اللوبي الصهيوني، وهو ما فسر بوضوح على أنه خطب ود، لكي يستمر في الحكم، ويمضي في مشروعه الإخواني الذي يتلاقى في الأهداف مع الأهداف الصهيونية ـ الأمريكية.

وما الحرب الكلامية وعنتريات أردوغان على الإسرائيليين، وبكائياته على الفلسطينيين، إلا لكسب الشعبية، وللإرضاء العاطفي للداخل التركي، وخصوصاً بعد مجاهرة أردوغان بدعم جماعة “الإخوان” في بلدان كثيرة، منها ليبيا ومصر وسورية، فالدور التركي المشبوه، والتدخل السافر في الشأن العربي، امتداد لأطماع استعادة العثمانية مجددا.ً 

عملياً أردوغان، يستخدم القضية الفلسطينية سواء في حديثه عن القدس أم عن مسألة التسوية أو عن العلاقة عن حركة حماس، لأكثر من هدف، أول هذه الأهداف هي شرعيته داخل الشارع التركي، فإن القضية الفلسطينية هي قضية رئيسية بالنسبة للمجتمع التركي.

يحاول رئيس النظام التركي رجب طيب أردوغان أن يظهر نفسه بثوب المدافع عن القضية الفلسطينية، وحامي حمى القدس وحقوق الشعب الفلسطيني، ويعلن بشعاراته الزائفة والمضلّلة العداء الشديد لـ إسرائيل ويهدّد بين الحين والآخر بقطع العلاقات معها، ولكنه في الخفاء يمدّ اليد إليها، ويقيم معها مختلف العلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية. 

ويواصل نظام أردوغان اللعب على مشاعر المسلمين حول العالم من خلال أقوال باتت مكشوفة للرأي العام، خاصّة وأنها لا تقترن بأفعال على الأرض، ففي جميع تصرفاته التي يعمل جاهدا من خلالها على الظهور بمظهر المتبنّي الأوحد لقضية الشعب الفلسطيني، مزايدا على الآخرين، يتخذ أردوغان أساليب تهييجية وانفعالية، لعلّها تغطي على حقيقة كونه الرئيس الوحيد الذي شهد عهده انتعاشا في العلاقات بين أنقرة وتل أبيب.

والبرلمان التركي، وهو الآخر الذي يقوده بالأغلبية حزب العدالة والتنمية الإخواني، رفض قطع العلاقات التجارية مع إسرائيل عقب مقتل نحو ستين متظاهرا على الأقل في قطاع غزة خلال مسيرات العودة الكبرى، كما أنه رفض مقترحا حول إلغاء الاتفاقيات الثنائية بين البلدين.

وعلى الرغم من التصريحات العنترية التي يطلقها أردوغان عن إسرائيل التي يدّعي فيها أنه يدافع عن القضية الفلسطينية، إلا أن الواضح للجميع أنه يقدّم الكثير من الخدمات للكيان الصهيوني، ما يسمح له بتوسيع نفوذه في منطقة الشرق الأوسط ويساعده على فرض انتهاكات بحق الشعب الفلسطيني. وبدلا من إرسال قوات تركية تهدّد أمن إسرائيل قرّر إرسالها إلى سورية وليبيا لمحاربة الجيش الوطني في البلدين. 

واليوم، يستمرّ أردوغان في المسرحيات التي يبدو فيها كداعم للقضية الفلسطينية، كما أن خطاباته الشعبوية بخصوص القضية الفلسطينية لا تختلف كثيرا ـ بحسب محلّلين ـ عن هتافات جماعة الإخوان التي يرعاها أردوغان، ويسعى من خلالها لإقامة خلافة شبيهة بحقبة الاحتلال العثماني للوطن العربي، وفي هذا السياق وصفه وزير الاستخبارات والمواصلات الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، في حديثه لصحيفة “معاريف” الصهيونية بـ “فريمني” أي الصديق العدو، من خلال طموحه بالسيطرة على المنطقة العربية على أجنحة تنظيمات الإسلام السياسي المنبوذة.

فالوزير الإسرائيلي يشير إلى أنهم لا يأبهون لعنتريات أردوغان ضدّهم خلال وسائل الإعلام، طالما أن إسرائيل تتعايش مع أردوغان، على الرغم من مسرحياته، وهي تدرك أنه يعدّ نفسه قائد “الإخوان المسلمين” في العالم ويحاول أن يقود العالم الإسلامي. وعلى الرغم من التصريحات التي يصدرها مسؤولون أتراك، على رأسهم أردوغان ضدّ إسرائيل، إلا أن السفارة التركية في تل أبيب لا تتوقف عن تنظيم الفعاليات التركية في إسرائيل.

إن المصلحة العليا لأردوغان وحزبه الإخواني هي المحرك الرئيسي لسياسته الخارجية، وأن البعد البراغماتي في هذه السياسة أوضح من أية محاولة لتغليفه بمنظور معياري ذي بعد أخلاقي، وتعدّ المتاجرة بالقضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني خير مثال على ذلك. فقد أقدم أردوغان على اتخاذ قرارات عدّة في صالح الاحتلال الصهيوني، لتثبيت العلاقة بين أنقرة وتل أبيب، ولهذا فإن ما يبديه من تعاطف مع الفلسطينيين ما هو إلا ذرّ للرماد في العيون، في حين يبرم اتفاقيات مع العدو الإسرائيلي لزيادة التعاون الأمني والعسكري والتطبيع في جميع المجالات.

*كاتب صحفي من المغرب.

 من مقالات الكاتب1 - عراق العروبة

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.