على هامش موسم أصيلة الثقافي… العروبة إلى أين؟

عراق العروبة
2021-11-12T01:18:59+02:00
مقالات وآراء
12 نوفمبر 2021
على هامش موسم أصيلة الثقافي… العروبة إلى أين؟

على هامش موسم أصيلة الثقافي… العروبة إلى أين؟

عراق العروبة

مصطفى قطبي

على هامش موسم أصيلة الثقافي… العروبة إلى أين؟

احتضنت مدينة أصيلة الهادئة والجميلة، فعاليات الدورة الـ42 لموسم أصيلة الثقافي الذي نظمته مؤسسة “منتدى أصيلة”، واستضافت الدورة ست ندوات، في إطار النسخة الـ35 لجامعة المعتمد ابن عباد المفتوحة، وكانت الندوة التي استرعت انتباهي، يدور محورها حول “العرب والتحولات الإقليمية والدولية الجديدة: العروبة إلى أين؟” أيام 8 و9 و10 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري. و على هامش هذه الندوة، أقدم بعض الأفكار لعلي أصل بها إلى الجواب عن السؤال أو الإشكال المحوري الذي طرحته الندوة: العروبة إلى أين؟.

على هامش موسم أصيلة الثقافي... العروبة إلى أين؟
منتدى أصيلة 2021

يطرح اليوم مصير العروبة على النقاش والجدل، بالنظر إلى التحولات الراهنة، حيث أن ما يجري، يستحق التوقف والفحص، والنظر في عمليات التطييف الواسعة، المترافقة بعمليات استقطاب وتمركز عصابية، مقيتة ومميتة، كما أن ما يجري من عمليات تعميم للعنف، يتزامن مع عملية التطييف، وتراكيب متنوعة من العنف السياسي والاجتماعي و الهوياتي، وتشريع بعض النظم السياسية الاستبدادية والتسلطية لعصبويات ومحاصصات إثنية ومذهبية، مع تحفيز وظيفي، انتقائي وأداتي، لمؤسسات دينية فقهية رسمية، من أجل إعادة تشكيل متخيلات وصور ذهنية عصبوية نمطية عن الآخر، وفق خطاب فصل ما بين الأنا والغير، وبالتالي فإن العروبة باتت في مهب ريح في مجرى تلك العمليات والتوظيفات المختلفة والمتضادة معها. ففي الوقت الذي يبثون في كل بلداننا ضرورة التخلي عن قضايا العرب من فلسطين إلى ليبيا وسورية واليمن والعراق… نجد أن أعداء العرب يشكلون تحالفات مستمرة في جميع المجالات و يستمدون قوتهم من التنسيق والتعاضد والتعاون فيما بينهم، في حين يحاولون تقسيمنا إلى طوائف وأعراق وقبائل، وفي الوقت الذي ينفقون الوقت والمال والجهد لدعم ما يسمونه “معارضات خارجية” فلا يمكن لنا أن نتخيل معارضة بريطانية تدعمها روسيا مثلاً أو حتى ألمانيا، لأنهم يوصمون كل من يتعاون مع قوة أجنبية ضد بلده بالخيانة العظمى، إلا في حالتنا نحن فهم يدرجون هذه المفاهيم وكأنها مفاهيم مقبولة ولكن مقبولة فقط لنا في نظرهم وليس لهم.

وعلى الرغم من كثرة السكاكين المشهَرة على العروبة اليوم، من أعداء الخارج “صهاينة وأمريكيين وغربيين استعماريين ومن في حكمهم بصورة عامة” وعملائهم والمرتبطين بهم والمسحوقين تحت قوامهم وأقدامهم، ومن إمَّعات الداخل من شعوبيين، ومثقلين بتعصب عرقي أو ديني أو طائفي أو مذهبي أو أيديولوجي، أو ممن هم أسرى لذلك النوع المقت كله وما يدخل في دوائره… فإن العروبة، بوصفها بيئة ثقافية ـ حضارية ـ إنسانية مشتركة، ينتمي إليها كل من ينشأ وينمو ويعيش في هذا الحوض الجغرافي ـ الاجتماعي ـ الحضاري، ويحرص على سلامته وسلامة مقومات العيش وقيمه فيه، ويعبر عن ذاته بلغة عربية، هي أداة التفكير والتعبير، وحامل المعرفة ومخزون الذاكرة، في هذا الجمع البشري الذي لا يصنف العرب على معطيات الجنس والعرق والدم وصفائها، وإنما إلى معطيات ثقافية، روحية، خُلُقية، إنسانية بالدرجة الأولى، منذ العرب البائدة “عاد وثمود وطسم وجديس… إلى من قد يستعرب ويتعرب في مقبل الأيام من الأشخاص والأقوام، مرورا بالعرب المستعربة الذين هم نحن اليوم، فإنها تشكل بوتقة ينصهر فيها كل من يختار العيش فيها وينتمي إليها… وفي معرض تأكيد الانتماء الروحي الثقافي الإنساني، واستبعاد الانتماء القائم على العرق والدم وما قد ينشأ عنهما من عنصرية بغيضة، جاء في الحديث الشريف: “أيها الناس إن الرب واحد والأب واحد. ليست العربية من أحدكم بأب ولا أم، فمن تكلم العربية فهو عربي”.

إن ما يوجهه أعداء العروبة إلى من ينتمون إليها ويحملون رايتها، من تهم مثل “الشوفينية” والتطرف القومي، ومحاولة تصويرها على أنها استخدمت الدين لتعريب المسلمين أو لفرض العروبة عليهم من أعلى… هو افتراء محض وتزييف مكشوف، ومحاولة لتشويه صورة العرب وتثبيط همم أجيالهم وتسويغ الكراهية ضدهم، وهو يصدر عن عداء وحقد دفينين، ويعيد أو يستعيد شعوبية هُزمت وانقضت، ولونًا من ألوان الاستعمار والصهيونية والعنصرية.

فلم تكن الأمة العربية في أي من مراحل تاريخها إلا قوة منصفة، أو حركة مضطَهَدة، أو دعوة لمناهضة الاستعمار والظلم والعدوان، ولكنها لم تكن بحال قوة استعمار أو دعوة إلى الإلغاء والمحو والإلحاق… ولا يُحسب عليها أن حملت رسالة الإسلام والمعرفة والتقدم العلمي في مراحل زمنية هامة، وأنارت طرق الحضارة، بل يُحسب لها… ولم تكن عهود الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين والمماليك على أنواعها، والدولة العثمانية، قبل تغلغل اليهود الدونما ـ أي المهتدون وقد أظهر كثير منهم غير ما أبطن ـ إلى مواقع مهمة في قيادتها وظهور العصبية الطورانية وطغيان التتريك بتحريض من قوميين متطرفين ومن مستشرقين لا يريدون للعرب والمسلمين خيراً… لم تكن تلك العهود عهود استعمار عربي للآخرين، ولا عهود استعمار غير العرب لأبناء العروبة في إطار الدين، وفق المفهوم السليم الصحيح الراسخ “لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى”، بالشكل الذي مارسه الغرب حين أعماه التعصب وتورَّمت فيه القوميات والعصبيات والأطماع، فجر العالم إلى حربين عالميتين مدمرتين كلفتا العالم أكثر من ثمانين مليون قتيل، وتعرضت فيهما شعوب وأمم شتى، منها الأمة العربية، إلى استعمار مباشر بغيض ينهب ويستلب ويقتل ويبيد، ويلغى شخصية الشعب الواقع تحت الاحتلال، ويدمر هويته ولغته ودينه وخصوصياته الثقافية والحضارية ـ واحتلال فلسطين ومسلسل إبادة شعبها والحرب العدوانية الغربية/الصهيونية، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، على العراق وأفغانستان، من أحدث الشواهد على ذلك ـ بل كان الجميع في دولة يعيش كل مواطنيها ظروفًا مشتركة، وتغلب فيها فئة على أمور الناس وتأخذ الحكم بتكوين عصبية تقيم سلطة أو تزيل سلطة، ولكن لا يسود في تلك الدولة قانون أو عرف يُعلي قوما على قوم باسم العرق والجنس ويشيع روحًا عنصرية خالصة…

إنّ العروبة اليوم تُستهدف في الوطن العربي عموماً من خلال إذكاء كل ما يناقضها و يعاديها من نزعات طائفية ومذهبية وقبلية وعشائرية مدمّرة، إنه زمن أصبحت فيه مفاهيم الوطنية والسيادة والكرامة في قاموس رهط من العرب من المفاهيم البالية، ويُنعت كل من يستخدمها أو يرفعها خطاً أحمر لا يجوز تجاوزه بالمتخلف ومن أصحاب اللغة والمواقف الخشبية… وأنه في قطيعة مع عصر المفاهيم الرخوة والزئبقية التي استوردوها. نعم، لقد تحولت بعض الحركات إلى دُمل متورمة على خارطتنا العربية وهي ترفع يافطات تناقض جوهرياً المهام التي أوكلتها لنفسها، بل وتدعي احتكار تمثيلها والناطق الرسمي الأوحد بإسمها، متعامية على حقيقة ماثلة أمامنا تتعدد شواهدها في ساحاتنا العربية النازفة، حقيقة تقول أن الاستقواء بالأجنبي واللهاث وراء عونه و الاستئساد على الأوطان ببوارجه ودباباته إنما هي من عوامل التعقيد لأوضاعنا وأيسر المسالك لتفكك نسيج مجتمعاتنا وبالتالي أقصر البوابات للهيمنة ومصادرة قرارنا السيادي وإجهاض تطلعات شعوبنا المشروعة في الحرية والرفاه والكرامة، والأغرب من كل هذا أن هذا الرهط من العرب لم يدرك بعد، رغم المآسي والكوارث التي تسببوا فيها، أنهم بسلوكاتهم تلك أصبحوا عنواناً من عناوين اعتلال الأوطان وجزءاً من المشاكل القائمة لا من الحلول التي تنشدها المجتمعات العربية لتجاوز مأزقها وأزماتها الراهنة.

اِنها حالة شاذة وغير مسبوقة في التاريخ العربي المعاصر… حالة مزرية من الفوضى والضياع والانحطاط والدونية السياسية التي لم تجند لفضيلة التضامن العربي لحساب الفراغ العدمي القاتل فحسب، بل أيضاً لحساب فعل التواطؤ، وقوة التآمر، وخطيئة الاستقواء بالمستعمر الأجنبي على الشقيق العربي… فالأمريكيون يبحثون عن مصالحهم وينفذون برامجهم وأفكارهم ومشاريعهم، وكذلك يفعل الإسرائيليون مستفيدين من كل شيء، أما العرب فيقفون مذهولين ضائعين مذعورين قلقين مسلّمين أن لا حول إلا بمزيد من الارتباط بالأمريكيين، والأمريكيون كلما احتضنوا هؤلاء، أظهروا في تصرفاتهم وكأنهم يحتضنون مادة كريهة مسمومة بشعة، لابد في وقت معين من التخلص منها ورميها وتدميرها، وكل التجارب السابقة قد أكدت ذلك. وبعد هذا كله وقبل هذا كله نتساءل: هل العروبة.. أفلست، وعليها أن تلملم أوراقها وتنسحب خارج التاريخ والعصر والواقع العربي، بعد أن تُحمّل نفسها مسؤولية كل ما حدث للأمة العربية خلال هذا القرن والقرن العشرين الذي لفظ أنفاسه، وأنّ على التيار العروبي بكل تشعباته وفروعه واجتهاداته وتناحراته، أن يخلي الساحة لسواه، بعد أن يعلن إدانة نفسه ويكتفي من الغنيمة بالإياب، لأنه ومنطقه العروبي، حكما على مستقبلها بالموت، من وجهة نظر من يطرحون هذه المقولات ويروجون لها بقوة؟ تلك أسئلة نطرحها ونحن في خضم اقتتال مقيت يشتعل في هذا القطر العربي أو ذاك، وتبعية للأمريكي بخاصة والغربي بعامة… ونطرحها ونحن في خضم انفلات العملاء من كل قيد وخلق وقانون، حيث تراهم يثخنون أمتهم وأقطارها جراحا، ويهددون ثقافة الأمة وقضاياها، وتستبد بهم الوقاحة إلى درجة الاستهانة بأبسط القيم الوطنية والإنسانية والأخلاقية، وبمقومات كل ذلك وخصائصه… تحت حماية خارجية مؤثرة؟! ونطرحها ونحن أمام واقع ووقائع تتجذَّر وتترسَّخ في وطننا العربي، تنقض معمار العقل قبل نقض معمار العروبة الفكري والعاطفي والسياسي والثقافي والاجتماعي، وتؤسس لانهيار كبير، ولا تساهم في استشراف صورة إيجابية لمستقبل العروبة والأمة العربية. 

وطرح هذه الأسئلة يرمي إلى التحريض على التغيير، بعد المراجعة والنقد الموضوعي وإعادة النظر والتقويم، وبعد التفكير في الواقع والممارسات والنتائج والأهداف والمسارات، وفي الحالة العامة التي يعيشها الوطن العربي، وتعيشها التيارات الفكرية والسياسية الرئيسية فيه من جهة، والتعامل مع ما تقدمه المتغيرات في وطن العرب والعالم من معطيات ذات تأثير في الحاضر والمستقبل من جهة أخرى… لتتم مقاربة التغيير والأجوبة وتلمّسها، في ضوء ما يُطرح على هذا التيار العروبي من قضايا وأسئلة وتحديات وما يخوضه من صراعات داخلية وخارجية، وما يواجهه مع غيره من قوى الاحتلال ومؤامرات حلفائها وحماته وأعوانه وعملائه، في إطار من الموضوعية والروح العلمية والواقعية العملية التفاؤلية… مقاربة تضع كل أمر في موقعه الصحيح، لا سيما في الوضع العربي الراهن، مقروءا ومستقرا بوعي ومسؤولية، في ضوء وقائع تاريخنا وتاريخ الأمم من جهة أخرى… وفي هذا توجه نحو تبيُّن ملامح مستقبل العروبة التي لا يمكن أن تموت، من منظور واقعي علمي، لا يقطع مع الانتماء وحمولاته المعرفية والعاطفية، ولا مع الدين بقيمه ورسالته وأحكامه وحكَمه، ولا مع المشاعر القومية وما يتصل من ذلك بالهوية والتاريخ، بالحاضر والمستقبل… 

ورغم كل الظروف الصعبة التي تعيشها البلدان العربية قاطبة، ورغم الانهزامية التي أصابت كثيراً من العرب وانعدام الثقة لديهم بقدراتهم واحتمالات مستقبلهم، ومع ذلك تبقى العروبة هي الخلاص الحقيقي للعرب جميعاً لأنه لا يمكن لأي بلد عربي أن ينهض بمفرده، وكل الشعارات المندسة بالنأي بالنفس أو التركيز على الذات وإعطاء الأولوية للقطر، وكأن الامتداد العربي عبء، فهي مفاهيم وتخرصات الأعداء لمنع نهوض بلداننا والإبقاء علينا في دائرة العجز وانعدام الحيلة.

إن العرب يمتلكون طاقة هائلة وخلاقة اسمها العروبة، فلماذا يُراد طمسها واستبدالها بما ثبت، حتى الآن، أن مصيره الفشل. فليس بدعا ولا غريبا أن نلمس فجوات ونستشعر نواقص، وتنهض في وجهنا صعوبات وتحديات، وأن يُقال لنا أو نكتشف بأنفسنا أن: هناك تقصير وعيوب وأخطاء وممارسات مؤسفة… وأن نُطالَب بمراجعة وتصحيح من خلال ممارسة إعمال العقل النقدي والنقد الذاتي… ولكن محاولة نفي العروبة من الأصل جملة وتفصيلًا، وجعل فكرة العروبة ذاتها موضع شك وموضوع توطّن للوهم ومجال اتهام، وتحميلها وحدها أسباب الخلل والعجز، ونفي مقومات الأمة العربية عن العرب، والإزراء بالتوجه العروبي الذي يتخذه تيار كبير منهم، مستلهِما وجدان الشعب العربي كله ومعطى تاريخه العريق، ومطالَبة العروبة بالتنحي بعد، وإقامة حالة عداء بين العروبة والإسلام… هو المرفوض كليًّا من جهة، والغريب المستغرب الذي لا يمكن أن يسوّغ على أرضية موضوعية معرفية منطقية، معقولة ومقبولة، من جهة أخرى.

على هامش موسم أصيلة الثقافي… العروبة إلى أين؟

 من مقالات الكاتب - عراق العروبة

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.