استقلال البال في مونتريال

عراق العروبة
2020-12-21T12:05:19+03:00
ثقافة وأدب
22 سبتمبر 2020
استقلال البال في مونتريال

استقلال البال في مونتريال

عراق العروبة

*مصطفى منيغ

استقلال البال في مونتريال

للذِّكْرٍ الطيِّب عملهم خلَّدَ ، ما غابوا برحيلهم إذ نصيبهم في الحياة قضوه فيما على كل الألسن تردَّد ، انحازاً بدَّلَ الأحراش وكل مكان  فيها مُوحش بمعالم حضارة تحدَّت ببقائها الزمان إلى يومنا هذا بل لما بعده أبْعَد ، مِنْ مخلفاتها تكيّّف الإنسان مع أبْرَدِ مكانٍ آهِلٍ بالآدميين لغاية “ألاسكا” كأطول مدى بمقياس وعورة تضاريس امتدّ  ، مسكون بالماء فالبسيطة فالثلج بسماكة أعلى الرواسي من عصور تجمَّدَ ، إعجاز أبدعته الطبيعة زادته هيبة سكون لا يُخترق إلاّ بقانون احترام المقام لمَنْ للعيشِ بين أحضانه وبنية حسنة لتلك الرغبة بكل مزاياها استفاد ، لم ينفع تدافع الفرنسيين والانجليز والأهالي بعضهم بعضا للفوز بسماح هذه الأرض الغناء العذراء لأحدهم دون الآخرين لتكون طوع بنانه بالجور والاستبداد ،  بل الاستكانة لتعايش ينسيهم الماضي كأصل ويتطلعون للمستقبل كفصل في مدرسة تأسيس محطة إنسانية قوامها العمل ثم العمل ثم العمل لضمان حتى استعطاف الأمل ذاته كي تقبل في تمنيات من يتدبرون تقدمها بالحكمة والعقل والتوافق السليم المتحضر الذين استبدلوا التمسك بالأمل وما يفرزه عبر الخيال المغلوب على أمره من تمني  بالاعتماد على وصايا التاركين أطيب الذِّكْرِ على أفواه الأجيال المتعاقبة لما رسَّخُوه بواقعهم المسترسل مفعوله إلى آخر عهدٍ بيوم معلوم مُحَدَّد ، أنَّ الطبيعةَ حيّةٌ تخدم مَنْ يخدمها ومَن يُعاديها لا حول له دونها ولا مدرك لنجاته من غضبها إلا رحمة تشمله مِن لدن خالقهما معاً  إن أراد ، سبحانه لا شريك له القادر الأحد الأحد الفرد الصمد.

… كندا مستقبل الملايين من اليوم  أو أي يوم إلى غد الغد ، مساحات من جنة أرضية تستقطب المتحمسين عن خلق متخلق برفض مَن مَثَّلَ لمعصمهم منذ الولادة أثقل قيد ، لمن لا يفضلون الدفء المذل على كرامة محفوظة في موطن البرد ، ليس المهم ذاك المردود المادي بل التمتع المشروع إن لعالم الحرية المسؤولة امتد ، وليس المطلوب أكثر من أداء واجب مواطنة يستقل فيها الفرد ، بحقوقه ليصل بها لتنفيذ طموح الوصول لمكانة أفضل عن طريق تنافس شريف يعترف بالتفوق مهما كان من نصيب “جَاكْ” أو “أحمد”.

… انتقلتُ إليها أوَّل مَرة سنة 2015 فدوَّنت انطباعي عنها بسلسلة من المقالات منها:

” الفرقُ شاسِع ، والبَوْنُ ساطِع ، اللاَّمُقارَنُقاطِع ، والتَّقارُبُ  ضائِع، اللِّحاقُ مُنْقَطِع، والتَّطلُّعُ صَريع ،بين مدننا المغربية ووَحْدِها قائمة لِنُبْلِ جسامة مقامها ، حيثُ النماءمِعْصَمُها ، والتطوُّرُ  رأسُها ، والمستقبل مستقبلها ، كما الماضي كاناجتهادا مُؤَرَّخا تحكيه معتزة فخورة بالتتابع أجيالها ، ومنها الحاليالمزهو بحالها .


مونتريال إشراقة حضارة لا أصالة ولا حداثة تقيِّمها عند تحليل اللُبِّ السَّائِحِمهما وصل دَرْسُهُ للفاعِلِ المُتَمَثِّلِ حِيالَه ، بل اصطلاح آخر جديدمبتكر يختزل إرادات في إرادة ويجمع سَيْل عَرَق تَصَبَّبَ من جِباهِ أهاليمَسَكُوا معاول البناء وانطلقوا يزخرفون ما حولهم من طبيعة على يابسةتَتمَوَّجُ تحتَها  أنهار، من مياه كالبحار، مدفونة لا يعلم سعتها غيرخالقها تتفجر شلالات تُبهر الأبصار، تتقاسمها كندا والولايات المتحدةالأمريكية عند الحدود السياسية بينهما ، اصطلاح يتعالى بنتائجه المذهلة علىكل أصيل ظل مُجَمَّدا لا يُراوح مفهومه، عازِفاً عن التكيف مع روح جديةالتجديد كسنة الحياة الحرة الطليقة القابلة لتبادل الأخذ كحق بالعطاء كواجب، يرمز لابتكار سبل غير مألوفة تجعل الإنسان إنساناً مُعَمِّرا لِدُنامُفْعَمَة عدلاً ومساواة ً وتضامناً إيجابياً للنهوض بأعباء عن إتقان فيالعمل وإخلاص لمسؤوليات فرضتها القوانين، والْتَزَمَ الحُكَّام بتقديمهاميزانا بكفتين، يحرصون  حتى لا تطغى إحْداها على أُخْراها مهما كانتالعوامل ومستجدات الظروف غير المحسوب مواجهتها مُسبقا ، ما دامت اليقظةسيدة كل المواقف ، أما الصدفة فمُبَدَّدَةٌ انطلاقاً من برامج مُعِدَّةكأساس إستراتيجية قابلة للتَّحْيِينِ ، مع كل طارئ ، كعبرة مشابهة لمقولة :”لكل مقام مقال”، اصطلاح نابع من تربية لم تترك جزئية إلاَّ وقابلتهابتصرف يُزكِّي خَيْرَها أو يُقْبِرُ شرَّها بلا هَوادَة ، ضاربة في عمقالإعْدَادِ فالاستعداد الملائم للغد ،على أيادي يُقدِّرُ أصحابها الآتيالشديد التعقيد ، انطلاقا من الآني البسيط المُسخَّر كتمديد ، وصولاًلمقتضيات مجهول عنيد ، لِذا الأطفالُ فيمونتريال مُحترمون لأبعدحد ، مجرد مخاطبتهم بما لا يليق سنهم جريمة تُعَد ، قد لا يُحمد عقباه علىمُرْتَكِبِها تَعود ، للصغار حرمة بها يترعرعون ، وهيبة عليها يستأنسون ،ليكونوا من أي صُلْب المهم أنهم على ارض تَحِتَرِمُ النشء لتُحْتَرَم كلماتحدث أي متحدث عن الفضيلة وحسن خلق ، الأشياء في هذا الأمر محسومة ولاتجربة قد تُرْجِعُ المُقَرَّر من زمان للبدء من جديد ، في تكرار مملللدوران مع الدائرة المُفْرَغَةِ من جِدِّيَة التفكير في حق الإنسان للعيشمع تقدمه للأمام أحسن مما كان ، مثل الإجراءات تخطاها الناس فيمونتريال حُكاماً (عن استحقاق) كانوا أو محكومين برضاهم ، لأخرى تمكِّنُالجميع من نهوض متكامل الزوايا لتذوق حلاوة زرع يُحْصَدُ في وقت مُتَّفَقعليه يجعل استغلال شريحة دون أخرى من باب المستحيلات أن يحصل ، الغباوةالجماعية وذكاء حفنة من المحظوظين قضية محذوفة تماما من قاموس التعايشالاجتماعي هنا فيمونتريال ، كن ما شئتَ فإنك عائد لطبيعتكالفردية أو الأسرية داخل عالمك المختص بك أنت لوحدك ، أما داخل المجتمعفأنت سيد نفسك مضافا لسيادة الخدمة التي تؤديها لمن يحتاجها بواسطتك وتأخذعليها أجرتك بالساعة أو الأسبوع أو الشهر ، اعتمادا على اتفاقيات وملفموضوعة كل النقط على حروف محتويات أوراقه مكونة الدقة المرغوب الرجوع إليهامتى اقتضت الظروف ليعم نفس التفاهم كما حصل منذ أول وهلة الاضطلاعبالمسؤولية المخول لك تأديتها عن قناعة.

مصطفى منيغ في طريقه لزيارة عمدة مونتريال
مصطفى منيغ في طريقه لزيارة عمدة مونتريال

الأمنُ(واقعا وشعورا) نِعمة ، بدونه الكل يبدو مجرد مظاهر ملفوفة بنقمة ، لايستوي داخلها المستقيم بالقويم وإنما إطلالة على فتنة ، تستدرج ألمستهلكيالصبر في الأقصى لمناشدة الخروج من التعلُّق الهش بأطيب المُنَى إلى إصلاحجذري يشمل ما يُفْتَرَى به على التنمية ’ في مجالس تُصبِحُ (بمجردانتهائها) وَهْمِيَّة ، المَقصودُ من يائِها التلهية ، بما أدْخَلوها فيسياستهم كتقنية ، تَوَهَّمُوا بها أن السُذَّجَ في عهدهم سيُكَوِّنُون (منتلقاء أنفسهم) الأغلبية الضعيفة دوما أمام نفس الثمانية . إنها الرؤيةالصحيحة القائمة على الانفلات الأمني هنا وهناك وعليها بِضْعُ خُطَطِ فيهذا الاتجاه مبنيَّة ، في بلاد ينشَغِلُ حُكَّامها بمصالحهم الذاتيةمرتبطين أشد ما يكون الارتباط بملذات هذه الدنيا الفانية ، والباقي ليشربمن البحر أو يرضخ بالانزواء في عُشِّه خوفا من قطاع الطرق وسط مدن لاينقصها إلا تجوال سكانها (ومن الجنسين) بأجساد عارية حتى يطمئن مُفسدوالأمن أن لا شيء عند هؤلاء العُراة ما يمكن نهبه بالحيلة أو القوة أو وسائل(مسخ غير مسبوق) متنامية ، وبذلك تُجَرِّدُ الدولة من صفة المحافظة علىمواطنيها، ولها ما يؤهلها لذلك، لو لم يُجَمَّد ما يَظْهَرُ فقط في مناسباتمُعيَّنة ، ولا لسان قادر حتى على الاستفسار ، لذا تظل تلك البلاد شبيهةبالأصفر.

الأمن مرتبطٌ يَكونُبالتربية الخاضعة لتَلَقِّي مبادئ الحِكمة سَنَةً بعد سنة ، منذ ما سَبَقَوبعدها لَحَقَ ، لمواجهة بما يلزم من قوة فكرية ووعي كافي، كل مخطط يرميللارتقاء على مظاهر أي  محنة بتخريب عقول والتَّكْثير من وسائل التعنيفوبالتالي التخويف ، الأمنُ سُلْطَة خفيَّة في قبضة الحق، وعدالة سارية تمشيبين الناس بلا ضغوط مُسْتَفِزَّة، ولا قنابل مسيلة للدموع لتكسير ضلوعنضال محفوف بمناعة حقوق الإنسان في جوهرها كسطحها لا يمكن أن تكون بالعصامُدانة.

في مدينةمونتريالتحس منذ نزولك من الطائرة وتطأ أديمها للمرة الأولى أو المائة (أقلمن ذلك أو أكثر لا فرق) بالأمن والأمان ، تشعر أنك داخِلٌ لدولة تحترمُنفسها في اعتزاز لاحتِرامِ زوارها مهما وصل عددهم ،ومن أي وطن أو جهة أوقارة وفذوا، بدون اهتمام أكانوا من السود أو البيض أو الصفر ، أَعَرَب هُمأم عجم مسلمون ام يهود أم أقباط أعداء بينهم أم أحباب ، لا يثير لديها ذلكأي عجب ، الأمور محسومة مسبقا من المنفذ ، من هناك ، حيث ممثلوها على مختلفالمستويات الدبلوماسية أو القنصلية لا يضيِّعون وقتهم هباء بل فيماحمَّلتهمكندامن مسؤوليات يحافظون بها على بلدهم مهما بَعُدَت ،بالتأكيد ثمة رقابة وصارمة أيضا لكنها تتم في صمت داخل أماكن غير مرئيةللعموم وبأسلوب مدروس لا يترك لطارئ أي حظ للتمدد إن كان بأهداف سلبية سيئةبأبعاد مُضرة ، كل التخصصات الأمنية ومنها المخابراتية مجنَّدة بالثانيةلتَسْلَمَ Canada  من نوايا غير سليمة ، كامنة في عقلية من تسوُّل لهم نفسهمإلحاق الضرر بتلك الدولة ، حالمارست بنا الطائرة بعد التحليق فوق المحيط الأطلسي انطلاقا من الدار البيضاءعاصمة المغرب الاقتصادية لغايةمونتريال على امتداد سبع ساعاتوخمس وخمسين دقيقة ، طلب منا قائدها أن نلزم مقاعدنا بأحزمة مربوطة امتثالالرغبة رجال الأمن الكنديين ، ولنظل على نفس الحالة ترقبا لما سيصدرونهكأمر جديد ، بعدها شعرنا كركاب بطائرتنا تُجَرُّ من مكان إلى آخر لوقت لايُستهان به انتهى بتوقفها وإفساح المجال لمغادرتها في سلام لنجد أنفسناداخل مطار مهيكل نظيف لا غوغاء فيه ولا صياح ملفت للانتباه ، لا أحد يوجِّهأحدا ، كُلٌ يتقدم لمسافات طويلة تتخللها سلالم متحركة صعودا ونزولاومنبسطة على شكل أرضية تُجَرُّ آليا حتى تُرِيحَ المختارين لها من عناءالمشي وكأنها في سلاستها والأسلوب المصنوعة بها بساط مفروشة لأشهر نجومالفن السابع وبين الحين والآخر ابتسامة ترحيب يُبدي بها القائمون على تدبيرتلك المساحة فرحهم البيِّن بهذا العدد الهائل من الزوار ،بما فيهمالعائدون لمقر أقاماتهم الدائمة ، لينتهي الأمر بتجَمُّع يتبع مَنْ فيهممرات حلزونية تُبْقي الواصِلَ أولا الأول والثاني ثانيا بلا ازدحام ولاارتباك ولا قلق على الإطلاق”. (للمقال صلة)

*سفير السلام العالمي
مدير مكتب المغرب لمنظمة الضمير العالمي في سيدني-استراليا.
 من مقالات الكاتب1 - عراق العروبة
رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.